Sunday, April 23, 2006

تغير لمن يحب التغيير - قصة قصيرة – إصطدام


هذه الرواية خيالية بنيت على بعض الأحداث والوقائع الحقيقية. جميع الشخصيات فيها من وحي خيال الكاتب ولكنها قد تحتوي على شخصيات حقيقية تم إدخالها بالرواية من أجل الحبكة الدرامية وأي تطابق بينها وبين الواقع هو من محض الصدفة

يجلس على حافة السرير محدقاً بسرحان بالغرفة الخاصة. لم يتعود بعد على المكان الجديد الذي هو فيه. لقد إنتقلت الإدارة العامة للأدلة الجنائية والطب الشرعي بكاملها منذ أشهر قليلة، إلى مركزها الجديد بالفروانية بالقرب من المطار الدولي

يتذكر الأيام الأولى عندما يصحو مذعوراً من غفوته على صوت إقتراب الطائرات من المطار وإقلاعها من المدرج. ما زال لم يتعود على الأصوات. من الجهبذ الذي إختار هذا المكان للإدارة؟ يسأل نفسه

يتذكر الموقع القديم للإدارة في منطقة الشرق. تلك الفيلا الهرمة والتي تكاد تسقط من شدة إهتراؤها، على رؤوس العاملين. وإن يكن، فذاك الموقع كان في قلب المدينة. ربما هذا هو السبب. الموقع الحالي ينتصف الكويت

الطرق على الباب يصحيه من السرحان. "حسناً، أنا قادم" يجيب. "سيدي الوضع لا يحتمل التأخير، الإتصالات لا تكاد تتوقف، حتى أن السيد الوكيل قد خابرنا للتو" يأتيه الصوت من خلف الباب

+++++

يبدأ في مراجعة البلاغ الأولي حول الحادث بينما تنطلق بهم سيارة الإدارة مسرعة نحو موقع الحادث. لا يعير إهتماماً للأحاديث الدائرة حولة بين الملازم والطبيب الشرعي المناوبان معه في النوبة المسائية

ينظر لساعته التي تشير إلى السابعة والربع تقريباً. والتقرير الأولي يشير إلى أن الحادث قد بلغ عنه الساعة السابعة إلا عشر دقائق تقريباً

تندفع السيارة متعرجة بين حارات الطريق، حاولة لتجاوز إزدحام الصباح. يتمنى وجود كوب من الشاي الساخن بيده في هذه اللحظة. لم يتركوا له المجال لشرب الشاي حتى. بالطبع فالحادث في منطقة سكنية راقية يسكنها كبار موظفي الدولة فلا عجب أن يخابرهم وكيل الوزارة لحثهم على العمل بسرعة، لعله قد إستقبل مكالمات الأشخاص المهمين في نفس لحظة وقوع الحادث. يفكر لنفسه. يا ترى هل كل الإهتمام كان سيحدث لو كان الحادث في إحدى المناطق المنسية، مناطق البؤس؟ لا أظن. يسأل نفسه متهكماً

يشغل السائق نفير السيارة المميز في محاولة للولوج بين الجماهير المتجمهرة في موقع الحادث. بينما يحاول رجال الدوريات والنجدة جاهدين بإفساح الطريق لهم

+++++

"حسناً يبدو هذا الموضوع حساس بعض الشيء نظراً للمنطقة وساكنيها. لذا أرجو منكم العمل السريع والدقيق، وليكن إتصالكم بي فقط ولا أحد غيري. مفهوم" يحدثهم بينما يهز الجميع رأسه بالموافقة

"حضرة الملازم قم بالفور بتصوير كل شيء، وخصوصاً آثار الأقدام حول الجثة، وأرجو أن يكون أحدهم قد أخذ أقوال المبلغ عن الحادث وتأكد من أخذ طبعة حذائه أيضاً، ولا ينسى أحدكم بأخذ قياسات والأبعاد من الجثة نحو المواقع الأخرى" يحدث النقيب الملازم صالح

يتقدم نحو الضابط الذي يبدو هو المسؤول، فيحـييه النقيب بالتحية العسكرية ويرد الضابط المقدم التحية له

"النقيب فهد الحامد من الأدلة الجنائية سيدي" يعرف نفسه للمقدم، "حضرة النقيب كنت أتحدث للتو مع سيدي معالي وزير الداخلية. لستَ بحاجة لإبلاغك بأهمية الموضوع. وخصوصاً وقوعها بهذه المنطقة وليزداد الطين بلة وقوعها بالقرب من المسجد والطريق المؤدي للمدرسة. ستتلقى كل الدعم المطلوب مني ومن رجالي. فلننه الموضوع بسرعة، الملازم خالد محمود سيكون ضابط الإتصال بيننا سله عما تحتاج وسيوفره لك" يحدثه المقدم مشيراً للملازم أول الذي يحييه بالتحية العسكرية

"شكراً سيدي. هل لا طلبت من رجالك بإبعاد الجمهور عن محيط الحادث. نستطيع العمل بشكل أفضل دون إزعاجهم لنا"، "لك هذا، ...، أيها الملازم تولى الأمر". يأمر المقدم ويتجه مبتعداً بينما يأمر الملازم خالد الرجال بإبعاد الجمهور، يتجه النقيب نحو الجثة لمعاينتها

+++++

"إيه يا دكتور ماذا لديك لي؟" يسأل النقيب فهد الدكتور حمدي شلبي، الطبيب الشرعي المناوب

يتذكر النقيب عملية تجنيد مجموعة من الأطباء الشرعيين الجدد للإدارة قبيل إنتقالهم للمقر الجديد. والدكتور حمدي هو أحد هؤلاد الجدد ومن الذين لصقوا بذهنه بإسلوب حديثه والعلكة التي لا تفارق فمه

"تهشم كبير في القفص الصدري. إستنـزاف للدماء من الحواس، الأنف والفم والعيون. لا توجد جروح واضحة الآن ربما بعد التشريح" بينما يشرح الطبيب الوضع يتقدم الملازم صالح نحوهم

"يوجد آثار للإطارات على حواف الرصيف وبعضها يبدو جديداً" يحدثهم الملازم

+++++

يعاين النقيب الرصيف الممتد بمحاذاة المسجد. "يوجد الكثير من آثار الإطارات على الرصيف". "نعم سيدي، ولكن هذه الآثار هي الوحيدة الجديدة تقريباً والتي تتجه مباشرة نحو الجثة" يرد الملازم صالح

"ملاحظة مهمة أيها الملازم. نعم ملاحظة مهمة. ... ، هل لا قست لي إرتفاع الرصيف لو سمحت. دكتور، هل سجلت مواقع تناثر الدماء مع الملازم في وقت لاحق" يحدث الطبيب

"أنا لم أر أي دماء متناثرة كثيرة. بعضها على السور وحافته. ولكني سأعيد البحث مرة أخرى" يجيبه الدكتور حمدي

"حسناً حسناً". "أيها النقيب" يلتفت النقيب نحو الصوت فإذا به يرى الملازم خالد وبصحبته رجل دين معمم

"سيدي النقيب، هذا هو الشيخ عبدالرؤوف السيد شحاته، إمام المسجد وهو الذي بلغ عن الحادث" يحدثه الملازم

يمد النقيب يده مصافحاً "أهلا سيدنا الشيخ". "شيء مرعب والله يا بني. لقد أدى المسكين معنا صلاة الفجر ظننته متواجداً في الحديقة لري المزروعات. نقوم بين الفينة والأخرى بزراعة بعض الخضروات لزوم الإستهلاك الشخصي لي ولأسرتي، ولم أتوقع ما رأيته" يحدثه الشيخ عبدالرؤوف

+++++

"هل يعيش بالمسجد؟" يسأله النقيب. "نعم فهو يقيم بغرفة الحارس بالمسجد، بينما أقيم أنا وأسرتي بالملحق الملازم للمسجد" يرد الشيخ. "هل لا قدتني لرؤية غرفته من فضلك. هل لديك مفتاحها؟" يسأله النقيب

"بالطبع فأنا المؤتمن على المسجد ولدي جميع المفاتيح" يتجه النقيب بصحبة الملازم يرافقهما الشيخ عبدالرؤوف نحو المسجد

"المسجد قديم بعض الشيء" يحدث النقيب الشيخ عبدالرؤوف. "بل قل قديم كثيراً يا بني. إنني دوماً على إتصال بالوزارة لتصليح ما يخرب وهي مأساة بحد ذاتها. قد قام العديد من مرتادي المسجد بالتبرع شخصياً لتصليح ما يخرب أو تزويده بإحتياجاته من برادات للماء أو أجهزة تكييف، ولكن لا يمكن إصلاح ما أفسده الدهر. لقد تحدثت مع السيد المختار وشرحت له المعاناة. فوعدني خيراً بأن يتحدث مع المحسنين من أبناء المنطقة لجمع التبرعات لبناء المسجد وتعميره من جديد" يحدثهم الشيخ

+++++

يقوم الشيخ بأغلاق باب المغاسل وحمامات المسجد، ويتجه نحو الجهة الأخرى لإغلاق إحدى الأبواب الحديدية. "رحمه الله لقد كان مهملاً بعض الشيء إلا أنه كان فتىً طيباً، أيـييييييه، إذكروا محاسن موتاكم، ... من هنا يا سادة" يردد الشيخ ويشير نحو إحدى الأبواب

الغرفة صغيرة نسبياً إلا أن كل شيء بها مرتب. يتعجب النقيب من مقولة الشيخ عبدالرؤوف من أن المجني عليه كان مهملاً! يبدأ النقيب بالبحث بالغرفة عن كل شيء وعن لا شيء، فهو لا يعرف بالضبط عما يبحث. لعل عندما يجده سيعرف بالحال

يدخل الملازم صالح الغرفة، "هل أرفع البصمات؟" يحدث النقيب الذي يرمقه بنظرة وكأنها تقول وهل أنت في شك من ذلك. يبتسم الملازم كمن عرف الإجابة ويبدأ عمله


يفتح بعض الأدراج ويستمر العمل بالغرفة بعض الوقت يشاهد النقيب كمية من الأوراق المرصوصة بعناية وبجانبها حزمة من الرسائل

"أوتعلم سيدي الشيخ متى كانت آخر رسالة وصلت إليه؟" يسأل النقيب

"لقد بعثت به بالأمس قبيل صلاة العشاء لمكتب البريد وجلب ما يصلني من الرسائل من الأهل. هو يستخدم صندوق بريدي لرسائله. ولكني حقيقة لا أعلم شيئاً عن رسائله" يرد الشيخ

يقوم النقيب بأخذ بعض محتويات الغرفة وبتدوين كل موجودات الغرفة وما أخذه معه بدقة بينما يرفع الملازم صالح البصمات


"حسناً سيدي الشيخ هل لا أقفلت الغرفة وسنقوم بختمها بالشمع الأحمر. ستكون أنت مسؤولاً عن الغرفة ومحتوياتها من الآن وصاعداً" يحدثه النقيب بعد الإنتهاء من عملهم بالغرفة

"كما تشاء يا بني" يرد الشيخ

يقوم النقيب بمعاينة المسجد من الداخل لعله يرى ما يساعده في الكشف عن غموض الحادث، إلا أن المكان إعتيادي فيتجه خارجاً لمعاينة المسجد من الخارج

+++++

يسمر النقيب ناظريه نحو مبنى المسجد محدقاً في القبة والمنارة. "ما الأمر؟" يسأله الملازم خالد. "لا شيء. المنارة قريبة من الشارع. فلو سقطت، حتماً ستتناثر على الشارع". " وما الذي سيسقطها؟ ما لم يقم أحد بهدمها" يرد الملازم. "نعم أنت محق. ما لم يتعمد أحدهم بذلك" يرد النقيب ويسكت لبرهة

"هل أنت على علم بالعمارة الإسلامية أيها الملازم؟" يسأل النقيب الملازم خالد. "لا. لا أستطيع إدعاء ذلك. وهل أنت؟" يسأله الملازم. "هذا المسجد بني حسب التصميم العثماني" يرد. "وكيف عرفت؟" يسأله الملازم. "القبة مربكة بعض الشيء ولكن أنظر للمنارة. مدببة، تصميم معماري عثماني أو تركي بالمصطلح الحديث" يحدثه النقيب فهد. "غريب لم أعلم هذا. ... هذا المسجد هو نسخة من عدة مساجد متشابهة في مناطق مختلفة من الكويت" يرد الملازم، "نعم، يبدو لي بأن وزارة الأوقاف لم ترد أن تصرف الأموال على تصاميم متعددة. فقبلت تصميم واحد وكررته في عدة مناطق" يتجه النقيب نحو الرصيف مرة أخرى لمعاينته بينما ما زالت عيونه تكتشف محيط المسجد يتبعه الملازم والشيخ ويركز ناظريه نحو الطبيب المتقدم نحوهم من ناحية الجمهور

+++++

"ما زلنا نعاني يا بني من قلة المواقف للسيارات. فيضطر المصلون ركوب الرصيف. أما الطامة الكبرى فهو قيام بعض أولياء الأمور أو بعض السواق لركوب الرصيف من أمام المسجد عوضاً عن قطع الطريق الطويل وبرعونة في بعض الأحيان للوصول للمدرسة القريبة. ولم يعد الأمر يقتصر عليهم وحدهم بل أصبح هذا الطريق المحاذي للمسجد أهم طريق مختصر للجهة الأخرى من الشارع الآخر" يسرد الشيخ

"هل إنتهيت من المعاينة يا دكتور حمدي؟" يسأله النقيب. "نهم وقد أتى الأسعاف وقاموا بتحميل الجثة نحو الإدارة" يرد الطبيب

تشتد حرارة الشمس ويبدأ الإرهاق بالظهور على الجميع وخصوصاً بأنهم من مناوبي الليلة السابقة. "حسناً لنختم الأمر هنا" يطلب منهم النقيب ويصافح الشيخ عبدالرؤوف على تعاونه وينقل تحيات فريقه للملازم خالد على مساعدته هو ورجاله

+++++

وفي صباح اليوم التالي

بلغ التوتر أقصاة في مكتب العقيد سالم ذياب، مدير الإدارة العامة للأدلة الجنائية والطب الشرعي، ولقد بلغ به الحنق درجة يكاد وجهه ينفجر من شدة الإحمرار

"لم يتوقف هاتفي عن الرن. الكل يطلب مني قراءة ما كتبه إحدى الصحف حول الحادث. أرأيتم ، ... حادث دهس مروع في المنطقة الفلانية، هل الأطفال آمنون بعد اليوم" يحدثهم العقيد سالم

"سأقوم بالتحقيق بالأمر وصاحب اللسان الطويل لن ينجيه أحد من يدي" يكمل العقيد سالم

"سيدي، ربما يكون أحد أفراد النجدة" يرد الملازم صالح في محاولة تهدئة الوضع بينما يرمقه النقيب بنظرة عتاب

"إصمت أنت!" يرد العقيد بغضب. "التفاصيل بالتقرير مطلع عليها شخص متخصص بالأدلة الجنائية" ويكمل

يسود الهدوء بعض الشيء في المكتب وتسكن النفوس. "حسناً إنطلقوا لمراكزكم، وأريد إنهاء القضية بأسرع ما يمكن" يحدثهم العقيد ويهمون بالخروج من المكتب

+++++

"المرة القادة وبينما رئيسك حانق على أمر ما، إقفل فمك ولا تتفوه ببنت شفه. أعلمت!!!" يحدث النقيب فهد الملازم صالح ممسكاً وضاغطاً ذراعه بشدة

"نعم سيدي. لقد تعلمت الدرس جيداً" يجيب الملازم صالح

يتجه الجميع نحو مكاتبهم، "حضرة الدكتور هل لي بكلمة معك" يطلب النقيب ويدخل مكتبه منتظراً دخول الطبيب ويغلق الباب خلفهما

"سيدي الدكتور" يحدث النقيب الطبيب حمدي وهو يتجه نحو مقعده، "المرة القادمة لن أحميك. بل ستكون على أول طائرة متجهة للقاهرة بعد إنهاء خدماتك" يحدثه النقيب

"يا حضرة النقيب، ماذا تعني، ... أنا ... " يحاول الطبيب الدفاع عن نفسه

"يا دكتور حمدي. لقد رأيتك تتحدث مع أحدهم وأنا أعرف هذا الشخص. فهو مراسل الحوادث للجريدة التي نشرت الخبر. نحن هنا نعمل كفريق. وما سكوتي تواً إلا لأريك معنى حماية أحد أعضاء الفريق. ولكن على أعضاء الفريق حماية الآخرين من الأعضاء والتنسيق معهم، وليس تسجيل النقاط على حساب بعضهم البعض" يتوقف النقيب لبرهة، "أولاً لست معني يا دكتور بالجانب الجنائي لتعطي رأيك فيه فأنت متخصص بالطب الجنائي فقط، وثانياً وهو الأهم، الكويت دولة صغيرة وهذه النوعية من الأحاديث والتصريحات تثير الهلع والخوف. نحن لسنا 20 مليون مواطن بحيث لا يثير خبر كهذا الإهتمام، سيدي الدكتور أرجو أن تكون الرسالة قد وصلت" يشرح النقيب

"نعم. شكراً سيدي النقيب، وإني لأعتذر عما بدر مني ولن يصدر ثانية ثق تماماً. وشكراً لدعمك لي ولكن مسألة التحقيق" يجيب الطبيب متوتراً

"لا تهتم بأمر التحقيق، فالعقيد عادة ما يطلق التصريحات أثناء غضبه ينساها اليوم التالي" يشكره الطبيب الذي بان عليه الإرتياح بعض الشيء ويترك المكتب

+++++

"حسناً يا أبو الطاهر إذهب الآن. ...، إنتظر" يخرج النقيب ديناراً من حافظته ويناوله لعامل التنظيف في القسم الذي يرفض بادئ الأمر إلا أن النقيب يصر على إعطائه إياه ويأخذ منه الرسالة

الصور المتناثرة عل مكتب النقيب فهد أصبحت مشوشة في عينيه فلم تعد له القدرة على التحديق بها. هناك أمر محير في هذه القضية

يبدأ النقيب بقراءة تلخيص بتحريات المباحث حول المجني عليه التي إنتهت إلي أنه شخص مسالم لا عداوات له أو خلافات. بل الكل يفتقده لدماثة أخلاقه وحسن معاملته للاخرين

التقرير المبدئي للملازم صالح والمرفق معه لا يعطي تفاسير واضحة أيضاً. لا دليل مادي على حصول شجار. تقرير الدكتور حمدي غريب بعض الشيء. ويقرأ النقيب مع نفسه

تكسر شامل تقريباً في العظام. تمزق في الرئتين جراء تكسر عظام القفص الصدري. تمزق في الكبد والطحال. كسور في الكتف والذراع الأيمن.
نزيف داخلي متعدد أدى إلى الوفاة. تهشم الركبة نتيجة إصطدامها بالأرض

يستغرب النقيب من التقرير وبالأخص نوعية الكسور

يطلب النقيب الرقم الداخلي للملازم صالح. "صالح، أين مخطط المسافات. إني لم أره مع تقريرك" يحدثه النقيب

"سأنتهي منه بعد لحيظات قليلة وآتيك به" يأتيه صوت الملازم صالح من الطرف الآخر

يراجع فهد التقارير مرة أخرى ويقارن ما يقرأه بالصور التي معه

يدخل الملازم صالح ومعه مخطط للواقعة ويناوله للنقيب الذي يتمعن به بعنايه لدقائق

يرفع سماعة الهاتف ويضغط على الرقم صفر للبدالة، "عبدالرحيم" متحدثاً مع مأمور البدالة، "إطلب لي قسم الفيزياء بجامعة الكويت، ...، لا أعلم إطلب سكرتارية القسم أريد أرقام بعض أساتذة القسم. ...، لا يهم أيهم متوفر حالياً وسجل الأرقام عندك ريثما أعود لأخابرهم" يغلق الهاتف

"ما الأمر؟ بماذا نحتاج قسم الفيزياء؟" يسأله الملازم صالح

"لدي نظرية أود تأكيدها" يرد النقيب فهد

+++++

"خيراً حضرة النقيب، هل من جديد؟" يسأله الشيخ عبدالرؤوف

"خيراً إن شاء الله يا سيدنا الشيخ. هل لا فتحت هذا الباب الحديدي؟" يطلب منه النقيب الذي يشعل المصباح اليدوي مركزاً على الأرض بينما يأخذ الملازم صالح الصور بدون توقف

+++++

"شد المقياس حتى يلامس التراب" يصيح النقيب فهد بصوت عالي

يسجل النقيب الأرقام في مفكرته

+++++

"مع المعطيات التي زودتني بها والتي ليست بدقة تامه، فإني أقول ليس أكثر من 3 أمتار" يرد الصوت من الجانب الآخر

"حساباتي المتواضعة تتطابق مع حساباتك سيدي. ...، إني أشكرك من صميم قلبي. لقد ساعدتني كثيراً سيدي" يحدثه النقيب فهد

"إنه لمن دواعي سروري. وإني لسعيد بمساهمتي، مع السلامة" ويغلق خط الهاتف، وترسم إبتسامة كبيرة على محيا النقيب فهد

+++++

يضع العقيد سالم ذياب الملف على الطاولة ويحدق بالنقيب فهد طويلاً وكأن لسان حاله يقول بأنه غير مصدق لما إنتهى من قراءته للتو

"أنت تعرف بأنك ربما ستثير زوبعة بيننا وبين المباحث العامة ..." يحدثه العقيد سالم

"ربما. ...، سيدي، أنت تعرف ..." يحدثه النقيب ، " لا تكمل فأنا إلى جانبك ومقتنع بحججك بالتقرير. حسناً لنبعث به للمباحث وكن على إستعداد لشرح وتوضيح ما كتبته. فهم على الأرجح سيودون ذلك" يقاطعه ثم يحدثه العقيد سالم

+++++

"ولكن ماذا عن آثار السيارة؟" يسأله أحد الضباط

لقد كان التقرير مفاجئاً لهم. فلم تدل الأدلة المبدئية على أنه حادث إنتحار

"حسناً. دعوني أشرح الأدلة والوقائع لكم وأبين أسباب قناعتنا بأنه إنتحار وليست حادثة دهس كما أشيع أول الأمر" يشرح النقيب فهد

"بالنسبة لآثار السيارة

صحيح بأن هناك آثار لعجلات سيارات. بعضها حديث والآخر قديم. والقديم تم حذفه من حساباتنا تلقائياً وذلك ... لقدمه. أما الآثار الحديثة للعجلات ففيها بعض الأمور التي سأوضحها

أولاً إرتفاع رصيف الشارع حيث هذه الآثار. كما تعلمون فإن أهالي المنطقة يستخدمون الطريق الترابي الموازي للمسجد كطريق مختصر. لذا نجد الكثير من آثار العجلات على الرصيف

وإرتفاع الرصيف يحد من سرعة أي سيارة منطلقة نحو الطريق الترابي. بمعنى أن السيارة سوف تتقدم وترتفع نحو الطريق الترابي ببطء كي لا تتأذي السيارة

وبالتالي نفقد آلية وعامل السرعة المطلوبة للإصطدام بالضحية

ثم لنأخذ جثة الضحية. جميع الآثار المكتشفة في جثته تتناقض مع نظرية الإصطدام وخصوصاً التهشم الكبير في العظام ونوعية وطريقة تهشمها

عادة ما يكون الإصطدام على مستوى واحد والسيارة تترك آثارها سواء على الجثة وكذلك الطريق وهو الأهم. وفي الحالتين نحن نفتقد لأي دليل كلياً، وهذا عدا عدم توفر نقطة وإتجاه إنطلاق السيارة. كما ذكرت مسبقاً، نحتاج لسرعة كبيرة للحصول على النتائج الموجودة في جثة الضحية. تقرير الموقع يؤكد عدم توفر الأسس الضرورية لإنطلاق أي سيارة بالسرعة المطلوبة لعمل حادث مماثل

ثانياً، ظروف الضحية. كل التحريات من جانبكم أثبتت بأن الضحية شخص مسالم لا أعداء له وبذلك تنتفي نظرية القتل المتعمد، على الأقل حسب ما لدينا من تقارير

علاوة على عثورنا على دليل مادي، نعتقد بأنه أفادنا للتوصل إلى الحقيقة. وهذا الدليل هو آخر رسالة بريدية للضحية

فبعد ترجمتها ولو بشكل غير رسمي، تبين بأن الضحية قد تلقى أخبار غير سارة من أهله ينبؤونه بضياع، بالأحرى سرقة، المبالغ الضئيلة التي كان يرسلها لهم لزواج أخته وبالتالي تم فسخ خطبة أخته لعدم توفر المال

ثالثاً، آثار الكسور. تعدد الكسور ونوعيتها تشير على حدوث عدة إصطدامات متتالية أدت إلى الوفاة

أولاً في منطقة الكتف والذراع ثم المناطق الصدرية والأخرى

ولكن المثير هو موقع الجثة من الطريق وهذا ما ظننته أول الأمر، وكان علي الإنتباه لموقع الجثة من المسجد

لقد تم إستبعاد فكرة إصطدام السيارة أي نعم، ولكن لم تستبعد فكرة الإصطدام كليةً. إصطدام الجثة بالأرض. ونظراً لوجود تلك الكسور المتفرقة وتهشم العضام بشكل ملفت، فلابد وأن كان الإصطدام شديداً. وللحصول على الإصطدام الشديد لابد من سرعة قصوى. وللحصول على السرعة القصوى، فإن الحل الوحيد المتوفر هو السقوط الحر من علو وإرتفاع" يشرح النقيب

"والإرتفاع الوحيد الموجود هو منارة المسجد" يكمل أحد الحضور

"نعم. شكراً. ذهبت في جولة جديدة للمسجد وكان يتردد في ذهني مقولة إمام المسجد بأن الضحية كان مهملاً بعض الشيء عندما هم بإغلاق بعض الأبواب وعلى الأخص باب حديدي. ولكن ما وجدناه في غرفته يناقض قول الشيخ الإمام. فالغرفة كانت مرتبة جداً ولم تدل على فوضوية ساكنها. أظنه كان يحاول تبرير الأبواب المفتوحة

الباب الحديدي هو باب المنارة. وبالفعل رأينا آثار طبعات حذاء مطابقة لآثار حذاء الضحية على السلالم المؤدية لأعلى المنارة. فالغبار كان يكتنف الدرجات بعض الشيء. وقسنا الإرتفاع

وعليه إتصلت بأحد أساتذة الفيزياء بجامعة الكويت ليساعدني في حساب مكان السقوط. والذي مشكوراً، وضح بأن مسافة السقوط لن تتعدى الثلاثة أمتار من المنارة

وفعلاً على بعد مترين وبعض السنتيمترات تقريباً يقع سور المسجد الملطخ ببعض دماء الضحية وهذا قد يفسر كسر الكتف والذراع حيث نظريتي بأنه سقط على السور أولاً. وبعد الإرتطام الأول نلاحظ سقوط الضحية على الطريق الترابي مهشماً باقي عظام جسده" يختم النقيب حديثه وينتظر أي إستفسار من الحضور

وبعد دقائق من الإنتظار

"هل لديكم أي اسئلة؟" يتوجه العميد شاهين المرزوقي نحو الضباط الذين يهز بعضهم رأسه نافياً

"شكراً لك حضرة النقيب على جهودك وجهود زملائك على توضيح ملابسات هذه القضية" يمد يده نحو النقيب مصافحاً، "آمل أن يكون لنا تعاون مستقبلي شبيه بهذا التعاون" يحييه العميد وترتسم إبتسامة فوق شفتي النقيب فهد

+++++

الكتاب بيده ويجلس على حافة قبل التمدد على السرير وقراءة الكتاب كعادته ليلياً. القراءة قبل النوم جزء من روتينه اليومي. الساعة تشير إلى الحادية عشر والربع تقريباً

الطرق على الباب يجعله يغلق الكتاب ويتوجه لفتح الباب. يقرأ الورقة التي يناولها إياه أحد أفراد الشرطة بالإدارة. "حسناً، قل لهم إني قادم في الحال" يجيب. هذا كل ما أحتاج إليه الليلة، يحدث نفسه، جريمة قتل في الصحراء


أنتــــهى





2 Comments:

Blogger forzaq8 said...

حلو التغيير

2:29 PM  
Blogger esetch said...

Forza

مرحبا بك، وينك يالحبيب من زمان ما لك طله علينا إشدعوه

12:27 PM  

Post a Comment

<< Home